(1) ق.م. 923

Comments · 186 Views

سلسلة تاريخية خيالية
923 ق.م.
الحلقة الأولى
كريم مختار

 

الزمان: ليلة خريفية من سنة 923 ق.م.

المكان: هضبة تطل على البحر بقرطاج

 

توسط السماء بدر مكتمل وغيوم قاتمة متفرقة هنا وهناك تتحرك ببطء وثقل منذرة بإمكانية تهاطل أمطار غزيرة في أية لحظة، وكانت نسمات المكان تحمل معها رائحة الياسمين التي انتشرت أشجاره في كل مكان من تلك المدينة الجميلة..

 

ظهرت في الصورة هضبة تتصادم عليها أمواج ذلك البحر الخرافي الجمال والذي طفت على سطحه بضعة سفن تجارية قرطاجية بعيدة ضخمة هائلة..

 

بدا على تلك الهضبة رجلان.. أولهما شاب في العشرينات قوي البنية، أسمر، طويل الشعر مجعده، تنم عينيه السوداوين الواسعتين عن قدر من الذكاء وسرعة البديهة فيما تدل ملابسه ومجوهراته الفخمة المزخرفة على أنه على قدر من الثراء. وكان جالسا على إحدى صخور الشاطئ.

 

أما الثاني فكان رجلا مسنا نحيلا ربما في العقد السابع أو الثامن من عمره، لحيته رمادية طويلة بلغت مستوى بطنه، أما رداءه الأبيض وقبعته الطويلة جدا والغريبة فقد كانا يدلان على أنه شخص غير عادي... ربما رجل دين أو حكمة خاصة. وكان واقفا على بعد خطوات قليلة من الشاب.

 

الشيخ (متأملا أمواج البحر): "بحق بعل وخصوبة تانيت، ما أجمل بحر قرطاج وسمائها هذه الليلة.."

 

ثم أردف (متأملا السماء وفي نبرة تنم عن عدم رغبته في المجيء حقا): "لكن يبدو أن الآلهة تانيت قد استجابت لصلاتنا فهاهي السماء على وشك أن تمطر ونحن لا نتلحف سواها."

 

الشاب (يلتفت إليه دون أن ينبس ببنت شفة ثم ينظر إلى البحر ويهمس لحنا كان شائعا بين أرجاء شعبه في تلك الفترة)

 

الشيخ (بحماس مصطنع): "أميرنا جبرابعل، أمرت بحضوري إلى البحر للقياك في جنح الظلام وكنف السرية المطلقة فها أنذا رهن إشارتك.. ما الذي حصل؟ ولم أنت هنا في هذه الساعة المتأخرة؟ قد أوشكت الشمس أن تبزغ."

 

الأمير جبرابعل (وهو يقف ملتفتا ذات اليمين وذات اليسار وقد بدت علامات القلق واضحة جلية على محياه): "نعم أيها الحكيم.. أمتأكد أنه لم يرك أحد ولم يعرف أحد أنك قادم لملاقاتي هنا؟"

 

الحكيم (محركا رأسه علامة الإيجاب ببطء شديد): "بلى.. تماما كما أوصيت يا أميرنا."

 

الأمير جبرابعل: "حسنا.. قد طلبت حضورك لتشرح لي حلما رأيته منذ سويعات فطار النوم عن أجفاني بعد ذلك.. حلم غريب لم أر مثله قط من قبل.. كان مزعجا ومرعبا إلى حد بعيد.. والأهم أن ألوانه وأصواته وروائحه كانت تضاهي الحقيقة بشكل مبهر.."

 

الحكيم: "بعض الأحلام مجرد رغبة باطنية في التنقل من عالم الأفكار والمثل إلى عالم المادة.. تجليات لأشباح تسكن عقولنا ولا تقوى على التجسد والكينونة في عالمنا السفلي.. بعضها الآخر صور أثيرية تتكرر في الكون بلا معنى وإلى الأبد ولكن العقل الآدمي يلتقطها ويحاول عبثا فهم ما لا معنى له.. وبعضها نبوءات.. هات شاركني حلمك يا أميرنا حتى نعرف إلى أي صنف ينتمي.. لكن قبل ذلك، عدني أنك لن تسيء إلي إن لم يرق لك كلامي.

 

الأمير جبرابعل: "أعدك بذلك يا أحيرام الحكيم."

 

ثم تنهد الأمير الشاب وهو يشير بإصبعه إلى نجم بعيد في السماء قائلا: "أنت تعرف جيدا قصة قدامى السومريين بالشرق[1] وفراعنة كيمت[2] وقبائل جنوب قرت حدشت يا حكيم وتعرف علاقتهم جميعا بذلك النجم البعيد وآلهته الجبارة التي كلما جاءت إلى سمائنا حل الخراب والدمار.. أتعرف كل تلك الروايات القديمة بكل تفاصيلها أم أنك مثلي لا تؤمن بها؟"

 

إبتسم الحكيم أحيرام وأجاب: "أتقصد سوريا[3]؟ ذلك النجم الساحر الذي يهدينا بحرا في الإتجاه المراد والصحيح؟ نعم، قد اطلعت على ما تركه لنا الأسلاف من هذه الأرض ومن الشرق بخصوصه.. نجم لماع متوهج مخيف يلفظ نارا إن بلغتنا تبتلعنا في رمشة عين.. قالت كتب الأسرار والخلق عنه الشيء الكثير.. وقيل كذلك الكثير عن كوكبه المظلم دائما حيث تسكن آلهة الليل.. إل وإنليل ومردوخ وغيرهم.. لقد.."

 

الأمير جبرابعل (مقاطعا): "وماذا عن إلهنا بعل؟ مالك لم تذكره؟ أتخاف بطشه ولا تريده أن يسمعك تذكر إسمه ضمن أسماء أسرته؟"

 

طأطأ الحكيم أحيرام رأسه ونظر إلى الأرض للحظات محاولا تفادي الإجابة تجنبا غضب الأمير الشاب المعروف بتقلب مزاجه وعدم تعلقه بديانات الشرق.

 

لكن الأمير جبرابعل واصل في شبه لا مبالاة: "أنت تعرف أني لا أؤمن بأي من آلهتكم القديمة... وتخاف أن تنعتني بالكافر لأني أكثر قوة ونفوذا منك... لكني أطلب منك أن تترك الخوف جانبا... الليلة فقط على الأقل... وأن تصغي مليا إلى ما سأقوله لك... ودون أية أحكام مسبقة... أنا مدرك أن ما أذكره لك سيغير نظرتك لي وللعالم بأسره يا أحيرام الحكيم..."

 

مطط الشيخ شفتيه كمن يشك فيما سمع وقال باحترام: "كلي آذان صاغية يا مولاي."

 

الأمير جبرابعل: "إجلس يا أحيرام الحكيم فالحلم طويل."

 

 

يتبع..



[1] بلاد مابين الرافدين

[2] مصر القديمة

[3] سيريوس

Comments
Kristina Daassi 1 w

يتبع.. 🤔🤔